الشيخ داود الأنطاكي
172
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الذي أبدعت لأجله أولا ، والأول : هو الصحة الكاملة ، والثاني : اما أن يختل البعض مع صحة الآخر أو يختل الكل ، والأول : هو الحالة المتوسطة ، والثاني : المرض . فقد بان انحصار أحوال أبداننا في الثلاثة المذكورة ، فلنستوف احكام كل منها ملخصة في فصل مفرد ، ونبدأ بأشرفها ثم نأتي على البواقي إن شاء الله تعالى . % الفصل الأول : في الصحة وفيه مباحث : البحث الأول : في حقيقتها الصحة حالة تستلزم كون البدن جارياً على المجرى الطبيعي سوياً في كل افعاله ، ويتوقف ذلك على صحة المواد والطوارئ وتدبيرها ، وقد تكفل الطب بها حاصلة أو زائلة ؛ لاشتماله على حفظ الأول ورد الثاني . واختلف الأطباء فيها ، فذهب جالينوس واتباعه : إلى أن كلًا من الصحة والمرض أصل مستقل ؛ لانفراده بأسباب مخصوصة . وهذا غير ناهض بما طلبوه ، وانما يثبت الضدية المعلومة بغير نزاع . وقال الرازي والمسيحي : المرض أصل . لعدم انضباط الطوارئ ، والصحة فرع . وهذا باطل اصلًا والا لما أمكن وجودها . وقال ابقراط والشيخ وجل أهل الصناعة : الأصل الصحة ، وانما يطرأ المرض لكثرة التغيرات . وهذا هو الصحيح والا انتقض مراد الحكيم تعالى عن ذلك . فإن قيل : إذا كان الطب حافظاً للصحة دافعاً للمرض ، فالواجب البقاء وعدم اختلال البنية خصوصاً من نفس الطبيب ، ونحن نرى الحكماء فضلًا عن غيرهم يضعفون ويموتون فلا فائدة للطب .